الشيخ حسن علي سيس

رئيس المنظمات الإسلامية الإفريقية للسكان والتنمية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بنعمته وجلاله تتم الصالحات القائل: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة, وقال أيضا: واتبع سبيل من أناب إليّ, وقال: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب لواء الحمد والمقام المحمود القائل ( خير الأعمال أدومها وإن قل ) وعلى ءاله وصحابته الهادين المهتدين ورضي الله عن شيخنا ومولانا الشيخ أحمد بن محمد التجاني الحسني وعن مظاهر تلك العظمة وورثته الذين بهم نتوسل إلى حضرته ونعتصم معهم بحبل الله المتين.

حضرة السيد: وزير الأوقاف والشئون الإسلامية حضرات السادة الشرفاء سلالة القطب المكتوم والبرزخ المعلوم حضرات السادة الخلفاء والمقدمين السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته,

إنني بداية أثمن جهود الوزارة في عقد هذه الندوة المباركة تحت رعاية الملك المفدى صاحب الجلالة أمير المؤمنين محمد السا دس ملك المغرب نصره الله وأيده ونصر به الإسلام والمسلمين إن عقد مثل هذه الندوة لتؤكد أواصر المحبة التي رسخت في قلوب الإخوان التجانيين تجاه المملكة المغربية منذ عقود طويلة إذ أن المملكة العلوية الشريفة لها علاقة متينة بالشيخ التجاني بأبناء الطريقة التجانية بدء بالسلطان مولي محمد بن عبد الله إلى اليوم ,كما كانت علاقة الشيخ التجاني بمولاي سليمان علاقة روحية أسست على التعاون على البر والتقوى وتعاونا في إرساء وترسيخ مبادي الدين الإسلامي ونشر تعاليمه السمحاء وإعلاء كلمة الحق والتصدى لإعداء المملكة فجاءت هذه الندوة تتويجا لهذه الجهود الفريدة التي أثمرت في عهد مولانا أمير المؤمنين الملك محمد السادس نصره الله وأيده آمين وستؤتي أكلها في عهده الميمون إن شاء الله, إننا في غاية السرور والإمتنان لحضور هذا اللقاء الأخوى التجاني الفريد من نوعه لأن اللقاء لقاح ومما أثر من القوم من تحقق بحالة لم يخل منها حاضروه ومن بنود الطريقة التجانية (ملاقات الأحباب خير من قراءة الأوراد والأذكار لأن الأذكار تقضي إذا فاتت وملاقاة الأحباب لا تقضي)

ولقد توافد الأحباب من بلاد شتى إلى هذا المكان فاس المحروسة حيث ضريح الشيخ التجاني تعرضا للنفحات الإلهية والفيوضات الربانية ففي الحديث:

“إن لله في أيام دهركم نفحات الا فتعرضوا لها فلعل أحدا تصيبه نفحة لايشقى بعدها أبدا.”

لا شك أن هذه الندوة من مظان تلك النفحات فا لطريقة منذ أن بزغت شمسها بيد سيدنا إبي العباس الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه إلى يومنا هذا لم تزل توضح للناس السير إلى الله وترشدهم إلى سبيل الهدى والرشاد وتهدى المريدين إلى أحسن الطريقة ينالون بها السعادة الد نيوية والأخروية. فالإخوان التجانيون هم الأخوة في الله والأحباب في الله وقد أثر عن الشيخ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: قل لأصحابك لا يؤذي بعضهم بعضا فإن ذالك يؤذيني ) قال تعالى: والذين يؤذ ون المؤمنين والمؤمنات بغير ما إكتسبوا فقد إحتملوا بهتانا وإثما مبينا.

 

إن الطريقة التجانية إذ تؤصل الأخوة الإسلامية نجحت في خرق جدران النفوس وتغلغت في قرارتها وأنارت البواطن با لعلوم الصمدانية الوهيبة كما الغت حدود البلاد وأذا بت الفروق بين العباد – فها نحن نلتقي في هذه الصالة وفودا من شتي بلدان إفريقة من غربها إلي جنوبها و من وسطها وشمالها وهاهي أميركا بشتي ولاياتها نيوورك شيكاغو ميشيغن ممفيس أطلنطا ديطريت……..- فكانوا أمة واحدة فشى بينهم الحب في الله وتحرروا من ربقة عبودية غير الله بأن أزاحت عنهم الحجب بتوحيد الله وأوصلتهم إلى الفناء والبقاء في الله ونفى الغير والغيرية إنه الصوفية الحقة المتسربلة بسربال السنة صفت سرائرهم واستقامت ظواهرهم على الكتاب والسنة خرجوا من رعونات النفس وانصبغوا بصبغة الحق ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ).

 

فالتصوف يقول الشيخ التجاني رضي الله عنه ( إمتثال الأمر وإجتناب النهي في الظاهر والباطن من حيث يرضى لا من حيث ترضى ) وهذا لا يتحقق إلا بمراعاة الشريعة المطهرة فأهل الطريقة هم أهل الذكر والصلاة والإستغفار يذكرون الله أناء الليل وأطراف النهار ويلازمون الصلاة على الوسيلة العظمى إمتثالا لأمر الله تكسبهم نورا, قال تعالى: هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور.

فطريقتنا محمدية أصحابها هم المتمسكون باالسنة المتفانون في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتأهلون للإقتداء به في أقواله وأفعاله والتخلق بأخلاقه إنها مؤسسة بالكتاب والسنة وعليهما مدارها وخارج الكتاب والسنة ليس هناك ما يسمى بالتجانية وقديما قال الامام الجنيد رصي الله عنه: (إن الطرق كلها مسدودة أمام الخلق إلا من اقتفي أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم

و اتبع سنته وطريقته.

وقدبرء مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه ذمته من كل ما يخالف الشريعة المطهرة وبرهن على سنية طريقته قوله: “إذا سمعتم عني شيئا فزنوه بميزان الشرع فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه”, كما أن اعماله وسيرته المطهرة كانت مؤسسة با لكتاب والسنة. وقال تلميذه سيدي محمد بن المشري رضي الله عنه ومع ما سمعت من كرامات هذا الشيخ الجليل القدر فإنه كان في غاية التواضع ومن لم يعرفه لم يميزه بين أصحابه ومن صفته إنه كان زاهدا راغبا آخذا تاركا فطنا متغافلا عن أحوال الناس مشتغلا بنفسه ومشددا في إتباع السنة غير مسهل فيها لأحد إلا من لم يمتثل أمره وكان رضي الله عنه يحثنا على صلاة الصف إذا سافرنا ويقول: “من لم يصل معكم في الصف لا تتركوه يرافقكم” ويقول “المحافظة على الصف يصرف الله بها أكثر المصائب”.

 

ومن متابعته كثرة المحبة لأهل البيت والحث على توقيرهم وتعظيمهم وهذا ادل دليل على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيق أوامر القرآن فال تعالى: (قل لاأسالكم عليه أجرا إلا المودة في القربي), وكان يأمر بطاعة المقدمين ما التزموا بالحق “وعليكم بطاعة المقدمين مهما أمروكم بالمعروف أوسعى في إصلاح ذات بينكم” وليحذر في ذالك عن تغريم د نياهم ولا يتشوف إلى ما في أيدي الإخوان عالما أن الله هو المعطي وهو المانع الخافض والرافع”, وعلى هذا النهج القويم كان يربي تلامذته وتوارث خلفاؤه هذا المنهج القويم جيلا بعد جيل وحرصوا غاية الحرص على المحافظة علي هذه الأسس وقد كان الشيخ إبراهيم انياس يؤكد سنية الطريقة التجانية وقال:

عليكم بـحبل الله للعبد واثقا

وإن قلت هل ذا الورد نهج محمد

فما الـورد إلا الذكر لله وحده

فما فيه ذكر الشيخ أو ذكر غيره

رويدكم لا تـنكروا عن جهالة

 

فنـهج يناوي الذكر نهج شقاء

أقـول نـعم وردي لنيل صفاء

تـصلي على المختار خير وراء

فـوردي لـداء العبد عين دواء

لبـغي وعـدوان وعين جفاء

ولقد سبق أن قال شيخ الإسلام بتونس سيدي إبراهيم الرياحي في نفس المعنى

فما ظنو نك بالورد الذي نظمت

فـما تـظن بـمنهاج لسالكه

 

يـد الـنبوة هل يبنى بلاساس

أمن من أهـوال نيران وأمراس

فالطريقة ليست بدعا من الصوفية السنية التي هي ( عبارة عن علم إنقدح من قلوب الأولياء حتى إستنارت بالعمل بالكتاب والسنة فكل من عمل به إنقدح له من ذالك علوم وأسرار وحقائق تعجز الا لسن عنها نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من الأحكام حتى عملوا بما علموا من أحكامها والتصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة إذ خلا عمله من العلل وحظوظ النفس كما أن علم المعاني والبيان زبدة علم النحو فمن جعل علم التصوف علما مستقلا صدق ومن جعله عين أحكام الشريعة صدق ) كاشف الألباس.

 

إن الطريقة مبنية على الإخلاص في صدق التوجه إلى الله بإخراج السوى في المعاملة مع الحق وهذا لا يمكن لمن أسرته النفس وأغرقته الشهوات والطموحات الآ ثمة فالصوفية هم العباد والزهاد في كل عصر روي عن الحسن البصري “رأيت صوفيا في الطواف وأعطيته شيئا وقال معي أربعة دوانق تكفيني ما معي” هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن التابعين كانوا يسمون الزاهد صوفيا فهم العلماء بأمراض النفوس ود سائسها عن الحسن البصري عن سفيان الثوري لو لا أبو هشام الصوفي ما عرفت دقائق الرياء. فالمشائخ كما روي عن شيخنا التجاني رضي الله عنه حبال أدلاهم الله الى الخلق من تمسك بهم نجى ويقول الشيخ إبراهيم انياس رضي الله عنه “واعلم أن المراد بالمشائخ التوسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة العظمى قال لي سيدي عبد الله بن الحاج العلوي رضي الله عنه الغر ض من أوراد التجانية شم رائحة الحقيقة المحمدية عليها الصلاة والسلام.”

وجدير بالذكر أن أهل الطريقة هم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات والمحلقون للذكر في كل القارات ومن جميع المستويات والذكر هو السلم الأمين للإقتداء برسول الله صلعم (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) فأهل الطريقة هم المثل الحي لهذا يجتمعون من قبائل شتى يجمعهم حب الله ورسوله والتفاني في متابعتة والإنتصار للحق مع زهد وتواضع إقتداء بالوسيلة الأعظم مولانا الشيخ التجاني رضي الله عنه “ومع ذالك الإستغراق والفناء في الله فهم ما عطلوا نواميس الكون وسنن الخلافة في الأرض بل يزاحمون في كل مجالات موزعون بين شتى الأعمال والمهن والتخصصات في حياتهم طلبا للحلال وتعرضا لنفحات الرب جل وعلا فبارك الله فيهم ووقاهم مكائد عدوهم وحفظهم بما حفظ به ذكره الحكيم وما ذالك على الله بعزيز” (رسالة التوبة) – فها هم العلماء والمشايخ وأمراء القبائل وهاهم التجار والمدراء والمهندسون والاطباء والصحفيون والاساتذة….. -

فإذا رسخ أن المراد من الأوراد التجانية شم رائحة الحقيقة المحمدية وهي قائدة إلى العمل بالكتاب والسنة اللذان هما طوق الأمان وأساس الإيمان قال صلى الله عليه وسلم: ” تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي,” وعلى هذه المبادئ إنتشرت في الآفاق لأنها طريقة حق والحق يعلوا ولايُعْلى عليه يقول شيخنا التجاني رضي الله عنه : “طابعنا يغلب على كل طابع ولا يغلب عليه طابع.” فالطريقة لها قابلية للإنتشار ولا تعرف الحدود لأنها ترتكز على السماحة ولا تنافي الفطرة السليمة ولقد أثنى على الشيخ التجاني رضي الله عنه الجلة من العلماء في عصره, منهم على سبيل المثال لا الحصر العلامة سيدي حمدون بن الحاج وقد ذكر ولده في كتابه الأشراف إنه كان يثنى على هذا الشيخ في العلم والمعرفة ويقول إنه من الكمل وإنه مدحه بقصيدة منها قوله:

فـعليك بالـبدرالـمنـير سنا

شمس السيادة قطب دائرة الهدى

بحر الندى مـبد لنا حكما سمت

حـبر إمـام قد سمى بمـعارج

 

أبي العباس أعني أحمد التـجاني

بدر السعادة كوكب الإحسان

كفرائد في العقد والتـيجـان

في الصالحات ولم يكـن متوان

هذا وقد تتلمذ عليه علماء أجلاء لا نطيل في ذكرهم فهم كالقمر ليلة البدر في كل الأ قطار و هم سادة الناس في كل مكان وزمان وإلى هذا يشير الشيخ إبراهيم انياس رضي الله عنه بقوله:

لـه صحب كأقـمـار

وتـمكـين وعـرفان

 

ذوو فـتـح وأسـرار

وكل عـين أعـيـان

 

الطريقة التجانية والختمية

ولقد تواترت في كلام القوم من العلماء المحققين رؤية النبي صلعم يقظة فكان الشيخ التجاني رضي الله عنه بفضل الله نال هذا المقام وأعطى بساط المحال واعطاه النبي صلعم طريقته فاعتلى في قمم الولاية حتى نال مقام الختمية والكتمية بعدها وقد تكلم عن الختمية بعض الأولياء منهم الحكيم الترميذي وابن العربي وعبد الوهاب الشعراني رضي الله عنهم وذكر سيدي الشيخ المختار الكنتي أن الخاتم للولاية يظهر في قرن 12 وهو القرن الذي عاش فيه الشيخ التجاني فقال من مواصفات القرن الذي فيه خاتم الولاية إنه يشاكل قرنه عليه الصلاة والسلام من وجوه:

 

أحدها: أن فيه خاتم الأولياء كما أن في قرنه خاتم الأنبياء

الثاني: أن اتباع هذا الولي المجدد الخاتم يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وحده ويجاهدون الأمم الضالة كما أن هؤلاء يجاهدون النفس والهوى والشيطان الجهاد الأكبر قالوا: وما الجهاد الأكبر قال: جهاد النفس والهوى.

الثالث: الإشارة إلى أن هذا القرن أفضل من جميع ما تقدمه من القرون السابقة سوى القرون الثلاثة لورود النص بأفضليتها قال صلى الله عليه وسلم ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ) الحديث فسر ذالك بقوله صلى الله عليه وسلم (خير هذه الأمة أولها وآخرها وبين ذالك نهج أعوج ما أنا منهم ولاهم مني ) – تنبيه الأذكياء.

 

فإذا نظرنا إلى كلام هذا القطب الجليل نراه ينطبق تماما على أصحاب الختم التجاني فقد تخرج من مدرسته كمل من الدعاة الذين دلوا على الله بحالهم ومقالهم وربّوا أجيالا صاروا للدين نبراسا وللحقائق مقياسا ومقباسا وانتفع بهم جمع غفير لأنهم دعوا إلى الله بإذنه وربوا ورقوا بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي هو الإقتداء به كفى والإستمساك بهديه الغنى والوصول إلى حضرته أجل المنى.

 

وسأذكر على وجه الإختصار لا الإحصاء المجاهد الكبير ذوالصيت الشهير الشيخ عمر ابن سعيد القطب الفوتي الذي أخذ عن عبد الكريم الناقل عن سيد مولود فال عن الشيخ محمد الحافظ عن الشيخ الختم التجاني رضي الله عنهم وأخذ أيضا عن الشريف محمد الغالي رضي الله عنه وصحبه حتى شهد له بالخلافة عن الشيخ التجاني رضي الله عنه وانتشرت الطريقة بواسطة الشيخ عمر رضي الله عنه وخصوصا في إفريقيا وانبثقت من مدرسته مدارس روحانية تألقت علوا واستنارت بها الطرق فكانت مدرسة العارف بالله القطب الصمداني الحاج عبد الله انياس الكولخي الذي عرف بالتصرف في الإنس والجن كما وصفة العلامة الكبير سيد أحمد سكيرج العياشي رضي الله عنهم وكذالك مدرسة العالم العامل والولي الصالح الشيخ الحاج مالك سه رضي الله عنه.

وهذان المجددان أقاما أركان الدين ولم تزل تعاليمهم قبسا من النور تحيي النفوس والأرواح بالذكر والتمسك بالكتاب والسنة وبذلا جهدا كبيرا ولعبا دورا بارزا في نشر الطريقة والعمل بآدابها وتربية أولادهما الفخام واتباعهما الكرام على هذا النهج القويم وقد كان الشيخ التجاني معهما في كل حال، وبعد وفاتهما 1922 م الموافق عام شمس 1340 أرخ لوفاتهما العلامة السنغالي الشيخ امبك بُسُهْ بقوله :

شمس وشمس عام شمس غابتا فبكى الورى لتكاثف الأظلام

وأرخ لوفاتهما قاضي انواكشوط المختار ولد المحبوبي بقوله:

و فاعلاالحج به قد هلكا مالك و انيص وصيتا تركا

وقد واصل أولاد الحاج عبد الله انياس الكرام وتلامذته في حمل شعلة التنوير للخلق وإرشادهم وتربيتهم بأداب هذه الطريقة المباركة وشهد لهم العلامة سكيرج رضي الله عنه في رحلته تاج الرؤوس في التفسح بنواحي السوس في أبيات رائعة حتى قال :

وبمثل هذا القول قال محبنا انياس مع قوم من البيضان

أكرم به من كولخي عالم متبحر في العلم في السودان

نعم الخليفة في طريقة شيخنا عنا و عن من قبل من أعيان

قد فاق في علم الشريعة و الحقي قة غيره بالحق لا البهتان

وأنا أبجله و أشكره وأشـــــــكر كل إخوته ذوي العرفان

منهم أبو إسحاق إ براهيم من أسكنته قلبي مدي أحيان

أكرم بهم من سادة قد أرشدوا للحق في سر وفي علان

عرفوا الطريقة فاستقاموا في السل وك بها الي الرضوان والغفران

غرفوا من الاسرار ما عرفوا به كيف الوصول لنيل كل أمان

و أبوهم المرحوم عبد الله لي كان أبرالبرمن أخواني

قد كان يدعوني أبا في سره و علي في السنغال منه يدان

فيد بها عاهدته وأجزته باجازة الاطلاق بالايقان

ويد بها صا فحت أهل مودتي في غيبتي بتعارف رباني

إني لاشكره وأشكر مالكي في قطره بتزايد الاحسان

ألحاج مالك بن عثمان الرضي سي فهو معه لدا الثنا سيان

فمازالت الطريقة بفضل الله شاطئ الأمان للمريدين ويظهر النبوغ وكمال الوراثة فى أصحابها وتتواصل أمدادها إلى قيام الساعة فهى إجتبائية ومن أقصر الطرق للوصول إلى الله وأفضلها وأقربها إلى طريق السلف الصالح مدار التربية فيها دائر على قطبين.

الأول: إقامة الصلوات الخمس بشروطها.

والثانى: الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم آناء الليل وأطراف النهار بنية إمتثال الأمر والتعظيم والإجلال والمحبة لجناب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا بعد إلتزام الورد اللازم الذى يصح به قوام التجانية ( كاشف الألباس ). والتربية فى هذه الطريقة بهمة الشيخ التجانى الذى يقول “من يعرفنى يعرفنى وحدى” وليس على المقدم المأذون له بالتلقين سوى مجرد التلقين وتبليغ ما أمر بتبليغه من الشروط والآداب والمريد ليس عليه إلا حفظ الواجبات الدينية المعلومة ضرورة وملازمة لوازم الورد وإعتقاد أن الورد اللازم أعظم أسرار التجانية والنفر فيه، ويلزم بعد ذلك ما أمكنه من الأوراد غير اللازمة بحسب ما أذن له ولايريد بهذا إلاوجه الله الكريم لادنيا ولاءاخرة ولامقاما من المقامات ويشهد المنة ويحسن الظن ويفوض وإذا دام على هذا من غير غرض فليحمد الله دائما، راجع ( جواهر الرسائل ) لصاحب الفيضة الشيخ إبراهيم انياس رضى الله عنه.

 

فكان من فضل الله على أهل هذه الطريقة وبقاء السريان المدد فيها أن ظهرت الفيضة التجانية مصداقا لقول الشيخ التجانى رضى الله عنه “تأتى فيضة على أصحابى حتى يدخل الناس فى طريقتنا أفواجا أفواجا تأتى هذه الفيضة والناس فى غاية ما يكونون من الضيق والشدة.” ولقد تواتر الحديث عن الفيضة بين أصحاب الشيخ التجانى فكانوا ينتظرون ويرقبون ظهورها . “والحكمة فى ظهور هذه الفيضة فى هذا الزمان الفاسد ضعف الإيمان فى قلوب الناس وكثرة الفرق الضالةوالمضلة وهذه الأمة مرحومة فأفيضت إليهم المعارف والحقائق كى يرجعوا لأهل فطرةالإيمان” (كاشف الألباس).

 

وإذا تأملنا كلام صاحب الفيضة وجدنا جليا للعيان أن أمارات ظهور هذه الفيضة لم تظهر إلاعلى يد الشيخ إبراهيم انياس رضى الله عنه. وقد دخل الناس بواسطته إلى الطريقة أفواجا أفواجا أصنافا صفوفا عربا وعجما وصلوا إلى معرفة الله بالشهود والعيان لابالدليل والبرهان يقول صاحب الدرة الخريدة محمد بن عبد الواحد النظيفى:

تدوم وتبقى مع دهور كثيرة

فيدخلها الورى أفاويج رغبة

 

وفى آخر الزمان تأتى بفيضة

لما شاهدوه من لواقح وصلة

ولقد والله شهد للشيخ إبراهيم الجلة من علماء عصره من أهل الطريقة المعتبرين بأنه صاحب الفيضة, ولقد أكرمه الله بما لم نسمع لأحد من مشائخنا أن دخل الإسلام على يديه ثمانية آلاف شخص فى مجلس واحد فى دولة ” غانه” وشكر الله بهذه المنة العظمى ففى الحديث ” لأن يهدى بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ” فقال الشيخ إبراهيم فى رحلته الغانية عن هذا المجلس:

لقنتُ آلافا ولـن تُعـدا كلمة التـوحيد فاتو العدا

وقالها الكفار والمجوس والامراء فطابت النفوس

كما قال فى إحدى رسائله تحدثا بالنعمة: وإنى بحمد الله أعرف زهاء عشرة ملايين من المسلمين إعتنقواهذه الطريقة بواسطتنا، وعددا أوفر منهم كانوا قبل إتصالهم بنا كفارا وعبدة أصنام ومسيحيين وعددا أوفر منهم أدرك الفتح ومعرفة الله بالشهود والعيان لابالدليل والبرهان وكأنى بالشيخ التجانى و قد أنشد:

قدرشحوك لأمر لو فطنت له فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

و قال أيضا في هذا المجال:

فقلت لاإله إلا الله محمد أرسله الاله

ففاض منى سره فلا أحد يقصدنى ما عرف الله الصمد

فظهورالفيضة أثمرت فى النفوس التقوى والزهد والإخلاص والإطمئنان والإستغراق فى محبة الله ورسوله والشيخ وسره ولايفعلون إلا بالله وهم القائمون بتعمير الزوايا بذكرالله آناء الليل وأطراف النهار بالذكر والصلاة على قدوتهم وتتبع سنته وأخلاقه وأثاره وآدابه ولم يحد صاحب الفيضة قيد أنملة عن تعاليم الشيخ التجانى ويصرح دائما أن هذاالإقبال ودوام سريان المدد من مدد الشيخ التجانى رضى الله عنه، قال فى محل سرده لأسماء القبائل الذين أخذوا عنه :

أولهم هوسا وأهل زرما كذا دغمب الخير فيهم عما

إلى أن قال: باسا رعادر فتـى القبائل قدسقاهم الختم التجانى القائل

المدفع الكبير يرمى من بعيد يعنى مقامه المكتم الفريـد

ولقد برهن سلوكه ومقاله أن الطريقة مدرسة من مدارس التهذيب قال رضي الله عنه و ليشهد الثقلان أننا بحبل السنة المحمدية متمسكون وإلى نهج سيد الأولين والآخرين منتسبون وعلى ضوء تعاليمه سائرون وفي هديه العاصم من القواصم متنافسون والطريقة إنما هي مدرسة من مدارس التزكية والتربية والتهذيب والحمد لله الذي وفقني للتمسك بها والتأدب بآدابها والإقتباس من أنوارها والإستفادة من بركاتها والتعاون مع رجالها وأبطالها ففيها أحي وعليها أموت وأبعث مع سيدي أبي العباس أحمد بن محمد التجاني الحسني رضي الله عنه وأرضاه وعنابه آمين وهذه الطريقة التجانية طريقة العلماء والصلحاء مدرسة تخرج حماة الدين والشريعة بدءا بالشيخ التجاني الذي أطلق كلمته الشهيرة “إذا سمعتم عنى شيئا فزنوه بميزان الشرع فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه”، هذه تعاليم مدرسة صاحب الفيضة.

وقد نشر الإسلام والطريقة فى العالم بطريقة لم يسبق لها مثيل، ومازالت الطريقة لله الحمد والشكر تنتشر فى العالم بواسطة أولاده ومريديه وأحفاده حتى وصلت إلى أمريكا بشتى ولاياتها وإلى ترنداد وأندونيسيا وباكستان وماليزيا وموسكو وغيرها،

واليوم بلغ تعداد الإخوان التجانيين فى نيجيريا فقط ما يربو على أربعين مليون نسمة وجلهم سلسلتهم تنتهي إلي الشيخ إبراهيم أو بواسطة تنتهى إليه. وفى ا لقرن التاسع عشر قال المؤرخ (أمير شكيب أرسلان) “لو لم تنهزم الجيوش التجانية فى أواخر التاسع عشر لصارت إفريقيا إمبراطورية التجانية”, وبرغم من ذلك وبرغم من أنوف المنكرين والأعداء مازالت الطريقة تنتشر وتشق طريقها إلى كل مكان فى العالم وتتغلغل بتعاليمها الأحمدية المحمدية فى قلوب جميع الأجناس والألوان، وقديما قال الشيخ إبراهيم انياس صاحب الفيضة التجانية إن دعوته تعم الآفاق, وتمتد على البسيطة وقد تنبأ بهذا وقاله لما كانوا أفرادا قلائل فى قرية ( كوسى )فى محافظة كولخ بالسنغال, واليوم بعد رحيله بثلاثين سنة نرى الطريقة تصل إلى كل مكان فى العالم كما قال رضى الله عنه , ونحن بدورنا تحدثا بنعمة الله كما قال جل وعلا “وأما بنعمة ربك فحدث” فقد أدخلت الطريقة التجانية فى أمريكا وفى شتى ولاياتها فى نيويورك وواشنطن وأطلنطا وشيكاغو ود ترويت وكليفورنيا ومنفيس تنس وحتى إلى برمودا وترنداد وغيرها مثل جنوب إفريقيا فى عاصمتها جوهانسبرغ وداربين وكيب تاون , حيث أخذت الزوايا تنتشر فى كل هذه الأماكن والحمدلله أولا وءاخرا.

 

ولاغرو فى دوام سريان هذا المدد ونحن نتيقن أن الشيخ التجانى هو ممد الأولياء والعارفين لايشرب ولى ولايسقى إلا من بحره, وقال رضى الله عنه: وما سمعتم من الخاصية التى فى الورد فهى واقعة لامحالة وإياكم والتفريط فى الورد ولو مرة فى الدهر هذا وأن إرادة إطفاء نور الله مستمر لكن ويأبى الله مستمر أيضا قال تعالى: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواهم ويأبى الله إلى أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وقال أيضا: ياأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذادعاكم لما يحييكم وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون, واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلمو أن الله شديد العقاب, واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون فى الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون, يا أيها الذين ءامنوا لاتخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) صدق الله العظيم .

 

ولقد حضرنا هذه الندوة المباركة على رأس جموع غفيرة وهاهم إخواننا من نيجريا والنيجر ومالى وموريتانيا وبوركينافاسو ومن كل بقاع الأرض وجلهم يجمعنا بهم سند واحد وهو شيخنا ومولانا الشيخ إبراهيم انياس رضى الله عنه الذى يجمعنا بالشيخ الأكبر خاتم الولاية المحمدية مولانا الشيخ التجانى رضى الله عنه ونشكر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية التى أتاحت لنا فرصة ملاقاة هذا الجمع الغفير من إخواننا التجانيين فى مثل هذا المؤتمر التجانى العظيم, وقد ورد فيه ذكر أسماء الصالحين وعند ذكرهم تتنزل الرحمات فإن لسماع ذكرهم ترتاح القلوب وتشتاق به إلى عالم الغيوب وتنشط بذلك من عقالها وتصحوا من غفلتها لفعل الطاعة والإخلاص فى أدائها وتتولد العزائم وتتجدد القوة وتجد فى التشمير لمحاسبة النفس على النقير والقطمير ولم يرضوا منها إلا باللحوق بمعالى الأمور والمسارعة إلى ما تحمد عقباه بدار السرور ونزهت الجوارح عن دنس المخالفات وإرتكاب السيئات وقاموا بوظائف الدين من فعل المأمورات وإجتناب المنهيات. وفى هذا الصدد قال الشيخ إبراهيم انياس رضى الله عنه: من أراد أن يكون معى فليسلك طريقى فى الأقوال والأفعال بفعل المأمورات وإجتناب المنهيات مع دوام التشوق للوصول إلى مرضات الله ورسوله, أما من ينتسب إلينا ويخالف الشريعة المطهرة بإقتحام المحرمات فأشهد الله وأشهدكم أنى برئ منه, هذه هى طريقتنا وهى السلوك والوصول إلى الله تعالى وأن إلى ربك المنتهى .يقول الشيخ في خطبة له في الخرطوم: نحن لا نشتغل بالكرامات ولاندعي الدعاوي إنما شغلنا صدق العبودية والقيام بحقوق الربوبية.

 

ولاتنتهى كلمتنا حتى نشكر من صميم القلب الجهود الجبارة التى يبذلها

أميرالمؤمنين الملك “محمد السادسملك المغرب

فى جمع كلمة الأمة وننوه بكل ما أوتينا من كلمة عنايته الفائقة بالإخوان التجانيين وبالزوايا التجانية, كما أننا نشكر وقفاته العزيزة تجاه قارتنا الإفريقية فالله يؤيده ويخلد ذكره, ونطلب من الإخوان الحاضرين و من جميع الاحباب أن يلتزموا الدعاء له بالحفظ والنصر ويقر عينه في ولي عهده المبارك مولاي الحسن وفي جميع أسرته الكريمة, وأن يدعو للمملكة المغربية هذا البلد الكريم المضياف بدوام الرقى والإزدهار, والأمن والآمان تحت قيادته الرشيدة,

كما نشكر سادتنا الشرفاء ذرية الشيخ التجانى رضى الله عنه ونبقى على الدوام نرعى الذمام, ونشكرأيضا السادة الحاضرين من كل البلاد, وأوصى نفسى وأوصيكم بتقوى الله فى السر والعلانية والمحافظة على العهد والعمل سويا فى تصحيح المسار وتوحيد الإتجاهات وترسيخ قيم ديننا الحنيف بإشاعة الأخوة والمساواة والحوارالهادف لبلورة عالمية الإسلام وانه دين الرحمة دين الإنسانية لايعرف التطرف ولا الارهاب.

ومن ثمرات هذه الندوة المباركة خلق التعارف بين الاخوان شرقا وغربا و من كل ركن من أركان الدنيا وهذا التعارف سيثمر إن شاء الله تعاونا علي البر والتقوي عملا بمقتضي الاية الشريفة حيث قال جل من قائل (وتعاونوا علي البر والتقوي.

ونسأل الله تبارك وتعالى أن يديم نعمه علينا وعليكم وعلى هذه البلاد ويجمع الجوامع ويمنع الموانع ودمتم فوق ما رمنا ورمتم (وءاخردعوانا أن الحمد لله رب العالمين(.

 

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الشيخ حسن علي سيس

رئيس المنظمات الإسلامية الإفريقية للسكان والتنمية