بسم الله الرحمن الرحيم

دور القادة الدينيين فى القضاء على شلل الأطفال

 

يرى القادة الدينيون أن المجتمع ملزم أخلاقياً بأن يفى بواجبه إزء أشد أفراده ضعفاً لذلك فهم ينتهزون هذه الفرصة الفريدة لتعبة المجتمعات المحلية من أجل القضاء على شلل الأطفال فى العالم. وإذا ما اقترنت هذه الفرصة بشعور قوى بالمسئولية لمعالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التى تسهم فى تفشى شلل الأطفال فإن ذلك يتيح إمكانيتات ضخمة لبناء شراكة فعالة بين المسؤوليين عن قطاع الصحة العامة والقيادة الدينية.

لقد ورد فى التقرير السنوى لمظمة الصحة العالمية بشأن المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال على الصعيد العالمى أن “إصابات فيروس شلل الأطفال تجتاح شمال نيجيريا” مشيراً بوجه خاص إلى أن محافظات باوشى، وكادونا، وجيغاوا، وكانوا، وكاتسينا” تشكل أكبر خطر على حملة استئصال شلل الأطفال
فى العالم”.

ونظراً لأن نيجيريا هى بؤرة هذا الوباء فى القارة الإفريقية فقد التمس رئيس نيجيريا ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة المؤتمر الإسلامى مساعدتنا على تليين موقف الشمال المسلم المعارض بشدة للتحصين ضد الشلل.

ولا يسعنا فى هذا الصدد سوى الاقتداء بالنبى محمد صلى الله عليه وسلم لفهم دور المرشد الدينى كمدافع عن صحة الإنسان ورفاهيتها. [ضرب أمثلة على ذلك] فإن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان يرسل إلى حارث بن كلدة طبيب العرب لنصائح طبيبه وهو غير مسلم. وأقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، يجب أن نسلم بأنه لزام علينا توعية عامة المسلمين فى منطقتنا ليفقهوا أن عملية التلقيح آمنة وفعالة حتى يتعاونوا معنا ويلتزموا بتشجيع مجتمعاتهم على تحصين الأطفال ضد الشلل بتطعيمهم ضده . وقد بدأنا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2006 متسلحين بالقرآن الكريم وتعاليمه وبالحديث النبوي وبالفقه الإسلامي ثم بفضل ما نحظى به من احترام في الأوساط الإسلامية لدينا.

ولقد بدأنا حملة استمرت مدة ثلاثة أسابيع لتوعية سكان المنطقة بمساعدة القادة الدينيين والحكوميين بضرورة تطعيم الأطفال ضد الشلل. ونود أن نشرح في هذا العرض الكيفية والطريقة التي سلكناها حتى تيسر لنا توصيل المفاهيم الصحية الصحيحة للعامة بناء على التعليمات التي تلقيناها من المنظمة الصحية العالمية.

فأولا ذكرناهم بالعلاقات الإسلامية الروحية التي تربط الملايين النيجيريين بالشيخ إبراهيم إيناس منذ لقائه التاريخي بالأمير عبد الله بايرو سنة 1937 بالمدينة المنورة، وإننا مسلمون فالذي نحبه لأنفسنا ولأطفالنا هو ما نحبه لهم ولأولادهم- وذكرت أن الأمهات عندنا بمدينة كولاخ تحضرن في كل يوم أربعاء بالأطفال للتطعيم وتشجعهن بتقديم هدايا رمزية للأطفال وكان كل هذا نقطة انطلاق لها ما بعدها في إنجاح مهمتنا في شمال نيجيريا ثم لقاؤنا في كل بلدة بالأمراء والحكوميين والقادة الدينيين العلماء. وكلهم تعاونوا معنا بكل ما للكلمة من معنى حتى توصلنا إلى هذا النجاح الذي شهد به الجميع داخل نيجيريا وخارجها للحملة التي تم القيام بها.

وبالإضافة إلى المحافظات الشمالية المستهدفة أي باوتشي وكادونا وجيفاوا وكانو وكاتشينا زرنا محافظات غومبي وسوكوتو وزامفارا وكذلك حي ارزاي في مدينة كانو وكاورانا مودا بمحافظة زامفارا. واستقبلونا هناك استقبالا رائعا بقيادة الخليفة محمد الماحي إبراهيم، والتقينا بالشيوخ والمحافظين والمعلمين والأطباء والأئمة ورؤساء مجالس الحكم المحلى وكبار زعماء الدين بغرض إطلاعهم على أمهمة القضاء على شلل الأطفال فى شمال نيجيريا.

وعقدنا العديد من الاجتماعات فى المساجد وكذلك اجتماعات أخرى خارج المساجد. وخاطبنا السكان مستشهدين بالقرآن وأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) فبددنا مخاوفهم وفهمناهم أن التطعيم لا يتناقض مع المبادئ الإسلامية. وفى الواقع فإن المبادئ الإسلامية تؤيد الوقاية من المرض، وحماية الأطفال وإنقاذ حياة البشر. وفى نهاية كل اجتماع، وعدنا القادة الذين أجتمعنا بهم بأنهم سيشجعون عملية تحصين الأطفال ضد الشلل و يحرونها.

وفى محاولة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من السكان لإبلاغهم أن التلقيح واجب من واجبات الوالدين إزاء أطفالهم وفقاً لما ورد عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) – كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته – استخدمنا بنجاح الإذاعت ووسائط الإعلام المكتوبة لنشر المعلومات بشأن سلامة التلقيح وفعاليته. وقامت بالتغطية الإعلامية لهذا الحدث كل من هيئة الإذاعة البريطانية الناطقة بالهوزة، وكذلك إذاعة صوت أمريكا، FRCN، KSTV  وإذاعة نيجيريا الجديدة، وإذاعة كانو، وشريفة كانو، Ray Power

Daily trust and voice og, German (DW), Kano, NTA, Leadership Companies Newspaper, Nigeria, VON, Public Agenda, BRC Fed FM, BATV.

وفى أثناؤ تنقلنا عبر محافظات الشمال وزياراتنا لمدارس يؤمها آلاف الطلاب قامت منظمة الصحة العالمية بعمليات تلقيح مكثفة. وقد قمت شخصياً خلال أربع من هذه العمليات، كانت إحدها فى باوتشى، واثنتان فى كادونا وأخرى فى كانو بتلقيح العديد من الأطفال. وعموماً فقد تم تلقيح آلاف الطلاب خلال وجودنا فى شمال نيجيريا وآلاف أخرى بعد أن غادرنا المنطقة.

وأعرب لنا السكان عن مخاوفهم الناشئة من الإشاعات الدائرة بشأن تلوث اللقاحات وإنه حرب على الامة الاسلامية بتطعيهم أطقالها وتحديد نسآها فأكدنا لهم أن اللقاح آمن وخال من أى مواد كيميائية يمكن أن تؤثر سلباً فى الخصوبة بعد تأكيدات وصلتني من أطباء مسلمين من أفريقيا ومن أمريكا حيث أكدوا لى شخصياً بأن التطعيم لصالح أطفالنا. والأهم من ذلك كله ذكرنا السكان بأن الله وحده هو الذى يهب الحياة فهو المعطى وهو المانع كما قال فى محكم تنزيله ” لله ملك السموات والأرض، يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ويزواجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير”. [سورى الشورى – الآيتان 49 – 50 ]

وأشرنا كذلك إلى الغاية التى خلق الله من أجلها البشر وأسكنه الأرض، حيث قال تعالى “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” وهى عبادة الله. والله خلق الإنسان من جسدوروح فلابد من إيلاء العناية الواجبة لكل منهما. وقد ورد فى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم “المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كل خير..”

وأكدنا أن من واجب الأمة الإسلامية أن تكون مسؤولة عن صحت أبناءها البدنية بقدر ما هى مسؤولة عن صحتهم الروحية مستشهدين فى ذلك بالحديث النبوى القائل ” تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع معه شفاء”. وقلنا إن القدرة على درء المرض هى نعمة من نعم الله، وقد قال تعالى فى سورة الرحمن : “فبأى آلاء ربكما تكذبان”.

وشرحنا أيضاً للسكان أن الله يأمر المؤمنين بحماية أنفسهم وأهليهم (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”، وقال فى آية أخرى : ” ولا تقتلوا أولادكم) فالتطعيم وسيلة لحماية الاطفا ل، ولا شك أن (الوقاية) خير من العلاج. وقمنا كذلك بحثِّ الجميع فى شمال نيجيريا على أن يفهموا الناس أن من واجبهم حماية أطفالهم من الإصابة بالشلل، وبالتالى إنقاذ الأجيال القادمة حاضراً ومستقبلاً من هذا المرض لأن الأطفال هم أمل المستقبل فهم القادة وهم الأئمة والعلماء والمشايخ والتجار وو..إلخ.

وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ” كفى بالمرء إثماً أن يضع من يقوت”.

وشرحنا كذالك أن من واجبنا كمسلمين عدم إذاية أى إنسان وأننا سنثاب على عملنا من أجل وقف انتشار هذا المرض فى الدنيا وفى الآخرة، فقد قال الله تعالى فى محكم كتابه الكريم ” أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً” [سورة المائدة، الآية 32].

وذكرناهم بالمرسوم الذى أصدرته المملكة العربية السعودية والقاضى بأن أى شخص لم يلقح ضد الشلل سوف يمنع من دخول المملكة لآداء مناسك الحج. وبناء على ذلك فقد أصبح لزاماً على كل مسلم أن يلقح ضد الشلل، ذلك أن فقهاء المسلمين يرون أنه إذا كان أداء فريضة من الفرائض يتوقف على شرط ما فإن ذلك الشرط يصبح فرضاً على المسلم. إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وما حللما بمكان فى شمال نيجيريا إلا وقابلنا القادة الدينيون والامراء والحكام والمشيايخ ورؤساء القبائل وقادة المجتمعات المحلية بالترحيب الحار معربين عن مشاعر التقدير لنا للجهود التى نبذلها من أجل وقاية أطفال المسلمين من آثار الشلل المدمرة والقاتلة أحياناً ووعدناهم بمواصلة هذه الجهودللتطعيمهم و تحصينهم. وكان السلطان كسلطان المسلمين بسوكوتو و الأمراء والخلفاء من أمثال الخليفة الحاج اسحاق رابع أكبرسند لنا فى تحقيق هدفنا حيث إنه الاخيرجزاه الله خيراً لما شاورته فى أول الأمر قال لى أحضر لدينا بكانو يوم الجمعة وتصلى بنا إماماً ثم تتحدث مع الناس وهناك انطلقت شرارة القبول و من علماء الذين عملوا معنا العلام الشيخ طاهرعثمان بوتشي لانجازمهمتنا فجزئ الله الجميع كل خير.

وبالإضافة إلى كل ما ذكرنا فان المعهد الإسلامى الإفريقى الأمريكى يقوم بتلك الخدمات الانسانية فى السنغال أولاً ثم في أي بلد أفريقي سنحت لنا افرصة للعمل من اجل استئصال مرض شلل الاطفال فقد أنشانا مرافق للرعاية الصحية و مدارس مع وضع برامج محو الأمية لتعليم الكبار ورعاية الأيتام ولدينا مشاريع لتوزيع الأغذية وحفر الآبار وزراعة الأشجار. ويتعاون معهدنا مع الأمم المتحدة فى مجالات التعليم والصحة وبيان ومكانة المراة في الاسلام واحترامها وحماية الاطقال وتقديم نصائح للقادرين لاجل العمل على التخفيف من حدة الفقر ودعم السلام. ونقوم إلى جانب ذلك بتنظيم مؤتمرات إسلامية تركز على القضايا المتعلقة بالمسلمين و القضايا العالمين بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان و التنمية و كذالك مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة. ونحن لا نشجع القادة الدينيين على المشاركة بفعالية فى الترويج للتحصين ضد الشلل فحسب، بل ونشجعهم أيضاً على إنشاء منظمات غير حكومية بهدف تنفيذ برامج ومشاريع إنسانية. ففى عالم يحكمه الجشع ويطغى عليه الفساد يستطيع القادة الدينيون التوصل إلى حلول أخلاقية للقضايا التى تهم الإنسانية. وفى الوقت نفسه فإنهم يستطيعون أيضاً، من خلال عمل منظماتهم او مراكزهم الدينية أن يقدموا صورة صحيحة عن الإسلام بوصفه دين سلام ورحمة يعبد معتنقوه الله وحده لا شريك له ويخدمون الإنسانية وينشرون السلام والمحبة والوئام واحترام الحقوق الإنسانية قاطبة.

إن إلتزام القادة الدينيين بالمشاركة فى المضى قدماً بعملية القضاء على شلل الأطفال على الصعيد العالمى يمكن أن يهيى فرصة سانحة للنجاح فى البلدان التى توطن فيها الوباء والتى صنفتها منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة ومنظمة الصحة العالمية بأنها بلدان موبوءة، وهى الهند وباكستان ونيجيريا وأفغانستان. وإذا ما طرح القادة الدينيون التحصين ضد الشلل فى سياق المبادئ الإسلامية، القرآن والأحاديث النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فإنهم سيتمكنون من توعية الآخرين بمنافع التحصين ويبددوا المفاهيم الخاطئة والإشاعات والمخاوف التى أفقدت جهود التحصين فعاليتها من البداية.

وإذا أردنا بناء شراكة فعالة بين وكالات الصحة العالمية ومنظمة المؤتمر الاسلام وبين وعلماء الدين والمشايخ فإن ذلك يحتاج إلى تخطيط يتسم بالإبداع. وعلى سبيل المثال، يمكن أن تنظم مؤسسات الصحة العامة حلقات تثقيفية الشعوب و يشرف عليها قادة دينيون ذوو سمعة دولية ولهم خبرة فى مجال الدعوة الصحية، وذلك لتأهيلهم للعمل للقضاء ضد شلل الاطفال و غيره من الامراض الفتاكة التئ يهدد البشرية جميعا كمرض فقدان المناعة و غيرها.

ومن الواضح أن القادة الدينيين يقومون بدور كبير كمربين ودعاة فى إطار شراكة مع مؤسسات الصحة العامة من أجل القضاء على شلل الأطفال على الصعيد العالمى. وأننا نعرض عليكم هنا تجربتنا فى أفريقيت و فى شمال نيجيريا خاصة كأنموذج لمثل هذه الشراكة. و نحن علئ اتم استعداد للقيام بهذا الواجب الديني الشريف في كل وقت.

ولقد أدخل السرور في الأنفس عندما تلقينا من كل من الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي ومن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية ومن اليونيسيف ومن كثير من أهل نيجيريا كتابات تعبر عن الشكر والتقدير لما قمنا به في هذا المجال ثم كلمات شكر وتقدير والدعاء المدونة ضمن توصيات  مؤتمر وزراء خارجية العالم الإسلامي الذي عقد مؤخراً في إسلام أباد في الفترة ما بين 15-17 مايو 2007 وكلها موجهة إلينا.

ولقد سعدنا أتم سعادة وشرفنا غاية عند مرورنا بالقاهرة وزيارة الامام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر ونائب رئيس الجامع الأزهر الدكتور عز الدين الصاوي ووكيل الأزهر، وهناك تم تقديم وسام درع الجامع الأزهر لنا شكراً وتقديراً لما قمنا به.

وكذلك نشكر نادي الروتاري الدولي حيث تلقينا منهم كتاباً مفاده أنهم سيقدمون لي وسام ” شامبيون أف يوليو اراديكاشون”

وفي الختام أود أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى منظمة المؤتمر الإسلامي وأمينها العام السيد أكمل الدين إحسان أوغلو على الدور القيادي الذي اضطلع به في شراكة قوية مع المنظمات العالمية الدولية من أجل رعاية مصالح المسلمين حول العالم والعناية المركزة على صحة أطفال المسلمين و العمل علئ تخفيف معدل الوفيات مع تحسين نوعية الحياة للأمة الإسلامية جمعاء. وأشكره خاصة على الثقة التي وضعوها في وكانت فرصة سانحة لي لخدمة الأمة الإسلامية ولوْ بكلمة طيبة، كما أسجل شكرنا لكل الجهات والأفراد والجمعيات الإسلامية التي تعاونت معنا حتى أحرزنا النجاح في مهمتنا.

وأخيراً وليس آخراً اشكر جميع الحاضرين وحكومة وشعب ماليزيا و سفيرالسنغال السيد عبد القادر فال علئ كل ما قام به لتسهيل مشاركتنا في هذا المؤتمروأدعو الله جل وعلا أن يوفق قادة الأمة الإسلامية إلى ما فيه الخير للإسلام والمسلمين ودمتم فوق ما رمنا ورمتم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

 

                                  الشيخ حسن علي سيس

              رئيس المنظمات الإسلامية الإفريقية للسكان والتنمية